|
أقامت جبهة العمل الإسلامي وحزب الله إفطاراً مشتركاً في مطعم الساحة، حضره حشد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية والإعلامية والحزبية وفصائل المقاومة الفلسطينية، وقد ألقى كل من منسق عام جبهة العمل الإسلامي رئيس جبهة العمل المقاوم فضيلة الشيخ زهير الجعيد، ونائب أمين عام حزب الله فضيلة الشيخ نعيم قاسم، كلمة في المناسبة.
وهذا نص كلمة الشيخ زهير الجعيد: بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين..
أيها الأخوة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. لقد امتن الله عز وجل على عباده بشهر رمضان، موسم الخيرات، فيه تضاعف الحسنات، وتمحى السيئات، وترفع الدرجات، تتوجه فيه نفوس المؤمنين إلى مولاها، (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها).
والصيام من أعظم العبادات، فرضه الله على العباد فقال: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
ورغَّبهم فيه فقال: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون).
وأرشدهم إلى شكره على فرضه فقال: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).
وحبَّبه إليهم وخفَّفه عليهم لئلا تستثقل النفوس ترك العاداتِ وهجرَ المألوفات، فقال عز وجل: (أياماً معدودات).
ورحِمَهُم، ونأى بهم عن الحرج والضرر، فقال سبحانه وتعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر).
فالصوم عبادةٌ من أَجَلِّ العبادات، وقُربةٌ من أشرف القُرُبات، وطاعةٌ مباركة، لها آثارها العظيمة، والكثيرة، والعاجلة والآجلة؛ من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وحفظ الجوارح من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعلى الدرجات.
والصوم عمل اختصه الله لذاته من بين سائر الأعمال، فكفى بذلك تنبيهاً على شرفه، وعظم موقعه عند الله مما يُؤْذِن بعِظَم الأجر عليه، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: “كل عمل ابن آدم يضاعف الْحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سبعمائةِ ضِعْفٍ، قَالَ الله عز وجل: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ”.
وخِصالَ الخير في هذا الشهر المبارك كثيرةٌ ومتنوِّعة، فهو شهرُ الصيام، والقيام، وغض البصر، وحِفظ اللسان.
شهر نزول القرآن، الذي أنشأ أمَّة، وبنَى جيلاً، وأسَّس دولة.
شهر ليلة القدْر، التي جعَلَها الله خيرًا من ألْف شهر، شهر الدعاء المستجاب، والعمل المقبول.
إنَّه شهر الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الأعداء على كلِّ الأصعدة، وفي شتَّى الميادين.
إنَّه شهر الفُرْقان، فيه نصَرَ اللهُ تبارك وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم ببدر يومَ الْتقَى الجمعان، ففرَّق بذلك بيْن الحق والباطل، إلى يومِ الدِّين.
لذلك ارتبط الجهاد في تاريخنا بشهر الصوم، فوقعت فيه أعظم المعارك الإسلامية، وكان التكبير شعار نهاية الصوم في عيده، والتكبير شعار الجهاد في سبيل الله تعالى، فعيد الجهاد والمجاهدين والمقاومين "النصر والفتح" فيشكرونه بالتكبير، وعيد الصوم والصائمين "الفطر" فيحمدونه بالتكبير.
فأين هذا المفهوم الشرعي والديني لرمضان من الذي نعيشه اليوم.. رمضان المسلسلات والكافيتريات والأغاني والأراكيل والفوازير والأفلام والرقص.
إنه شهر الانتصار على الشهوات تماماً كما هو انتصار الخير على الشر في بدر.. إنه معراج الوصول إلى الإسلام الأصيل.. فهو الشهر الذي دعانا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوحُّد والتلاحم والتقارب.. وهو الشهر الذي يجب أن نكون فيه أكثر عزيمةً وصدّاً للأذى الذي يأتينا من الغير.. وخصوصاً من أولئكِ المفترضين شركاء لنا في الوطن.. الأذى الذي يريد أن يطفئ وهج المقاومة والمنعة والوحدة على خط مقارعة الظلم والاستكبار الأمريكي والصهيوني... الأذى الذي قد يأتي على عجلٍ عبر حادث فردي، يتفاعلُ عشائرياً وينمو طائفياً ويتغذى مذهبياً، أو مدبرٍ للإيقاع بين أبناء الصف الواحد كما حصل في برج أبي حيدر، فتعقد له المؤتمرات، ويجيش له الإعلام والتصريحات، حتى يصل الأمر، أن يهاجم أبناء القتلة، الجيش اللبناني، الذي عمل بشكل حكيم من أجل تجنيب البلد الفتنة، ولكأنهم أرادوه أن يغرق بوحول الزواريب الداخلية بوجه أبناء الوطن ليخدم أجندتهم، ولا يريدونه جيشاً مقاوماً باسلاً مدافعاً عن أرضه إلى جانب شعبه ومقاومته، كما حصل في عدوان تموز، وحصل منذ مدة في المواجهة البطولية قي العديسة، ضمن سر منعة وانتصار لبنان عبر ثلاثية: الجيش والشعب والمقاومة.
إننا نرى أن هناك ما يدبّر خلف الكواليس.. ولعل الاستغلال الرخيص من قِبَلِ بعض السياسيين ووسائل الإعلام لهذا الحدث عبر إثارة موضوع السلاح والدعوة المشبوهة لتكون بيروت منزوعة السلاح، والتمظهر بالحرص على أهل السُّنةِ في بيروت، هو أصدق برهان على أن ما يحصلُ هو مفبركٌ، وإن لم يكن كذلك فهو سيناريو معدٌّ سلفاً كي يُستخدم في الحرب الخفية على كل قوى المقاومة والممانعة. فيجب أن نتنبّه لكل هذه المؤامرات التي تتنوع وتتلون لكنها وحيدةُ المصدر، وأمريكية المنشأ.. وهل نسينا من وزع السلاح سابقاً بكميات كبيرة في كل المناطق وشكّل الشركات الأمنية ووضعهم بحالة استنفار دائم في الشوارع.
إن حالة الحقن الدائم وإثارة الذعر وإذكاء المخاوف بين الناس من الشريك الآخر وجعل الناس قلقة على مصيرها ومستقبلها وإظهار الشريك كعدوٍ يتربص بهم، أخطر على المسلمين واللبنانيين وعلى العيش المشترك والوطن من أي شيء، وأن الكلمة المسمومة والبيانات المشبوهة لهي أمضى وأقطع من أي سلاح، وهي التي تؤدي إلى تهيئة البيئة الجاهزة للتفاعل والانجرار أمام أي إشكال صغير يحصل.
فكفى متاجرة بأرواح الناس ومصائبهم، وكفى كذباً بادعاءات واهية من حرص على بيروت أو أهل السنة، فالحريص على السنة وبيروت هو من يعمل على التهدئة والتقريب، هكذا يكون رجال الدولة الكبار، لا من يريد الاستغلال لأهداف خبيثة ولتسجيل النقاط، واستهداف المقاومة ودورها الرائد في الدفاع عن الوطن، وسلاحها الذي فرض توازن الرعب مع العدو الصهيوني الغاشم.
إننا في جبهة العمل الإسلامي نتسائل: لماذا هذا الكم الهائل من الشحن والتوتير والتحريض المذهبي طالما أن الطرفان حزب الله وجمعية المشاريع اعتبرا الحادث فردياً وأعلنا طي الصفحة والتوافق على أن يأخذ القضاء والعدالة مجراهما، وتحديد الجهة والمسؤولية عما حدث. ونسأل هل صحيح أن هناك طرفاً ثالثاً أطلق النار ودخل على الخط لتأجيج الفتنة، فلنترك التحقيق يأخذ مجراه ولنبتعد عن الاستغلال السياسي والمذهبي الرخيص والبغيض.
فبيروت كانت وما زالت عاصمة العروبة والمقاومة، بيروت هي رأس الحربة في مواجهة المؤامرات ومشاريع الفتنة وفي مواجهة العدو الصهيوني الحاقد المتربص بنا جميعاً، بيروت العنفوان والكرامة، التي قاومت الاحتلال الصهيوني وأجبرته على التقهقر والانسحاب مذموماً مدحوراً، بيروت شارع الوينبي، وجسر سليم سلام، بيروت معركة المتحف - البربير الشهيرة. هذه بيروت يا سادة التي يعملون لتشويه صورتها وسمعتها.
ولكن بيروت تأبى هذا التشويه، تأبى تحويلها إلى عاصمة للحياد في الصراع المرير والطويل مع العدو الصهيوني، بيروت أيها الإخوة هي أم وأب كل المجاهدين والشرفاء والأحرار والمقاومين وحاضنتهم، ولن يستطيع أحد في غفلة عن أهلها تحويل مسارها أو حرفها عن ثوابتها ومبادئها الوطنية والقومية والإسلامية.
من ناحية أخرى: فنحن نرى أن كل الأبواق الإعلامية والفضائية المذهبية التي تدّعي دفاعاً وحرصاً على السنة أو الشيعة، وهي في الوقت عينِهِ تثير الخلافات وتسلط الضوء على أمورٍ تثير القلق لدى فريقٍ من فريقٍ آخر هذه الأبواق مأجورةٌ عميلةٌ ومنخرطةٌ في مشروع الفتنة الكبير.
سنبقى أيها الأخوة: في جبهة العمل الإسلامي ضمن خط الممانعة والمقاومة لكل أشكال الفتنة وسندافع عن وحدتنا ونقف بوجه كل المؤامرات والخطوب.. هذا دأبنا وتاريخنا منذ تأسيس الجبهة على يدي المرحوم الداعية الدكتور فتحي يكن، حيث كانت الصلاة الشهيرة في وسط بيروت عنوان الوحدة الناصع في وجه التفرقة المقيتة، ويأتي هذا الإفطار المشترك ضمن هذا الإطار أنه لا فرق بين السنة والشيعة، وللتأكيد على الشراكة في مشروع المقاومة بين جبهة العمل الإسلامي وحزب الله. وبهذه الشراكة والروحية سنواجه كل الأصوات التي تتردد هنا وهناك في حديث عن فتنةٍ مذهبيةٍ وهي شريكةٌ شراكة كاملة للمشروع الأمريكي الصهيوني على أمتنا وبلدنا.. وتعمل بكل ما أوتيت من قوةٍ على ضرب الاستقرار والأمن.. وهذا ليس بمقدور عليه في ظل الوحدة الإسلامية والوطنية.. وهو مستحيلٌ في ظلِّ تكاتفنا.
أما في موضوع المحكمةُ الدوليةُ فمسارها منذ إنشاءها وحتى اليوم يدل على أنها لم تنشأ لكي تُظهر الحقيقة.. بل هي محكمةٌ لطمس كل الحقيقة.. هي من أجل الفتنة التي تسعى لضرب المقاومة التي هزمت إسرائيل ومن خلفها أمريكا في لبنان وفلسطين.. هي محكمةٌ أمريكيةٌ إسرائيليةٌ. تماماً ككل سيناريوهات المنطقة... في العراق وفلسطين وأفغانستان.. أمتنا تُحتلُّ أرضُها ويقتلُ شعبها وإن أرادوا التنفُّس قليلاً فهذا إرهابٌ ينبغي أن تقوم الدنيا ولا تقعد من أجل محاربته.
في لبنان تُستَغلُ الحقيقةُ المطموسةُ بشهود الزور في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليكون هناك قرار لإدانةِ المقاومة بعدما استُنفذت إدانةُ سوريا... فالمطلوب اليوم ليس محاكمة شهودُ الزورُ ولكن محاكمة وإدانة من وراءهم وأملاهم هذه الشهادات ضارباً عرض الحائط بالحقيقة، معرضاً البلد للاهتزاز ولسقوط الضحايا والجرحى، وإيجاد الشرخ بين اللبنانيين، وتعطيل الحياة الاقتصادية، وجعل لبنان على حافة الحرب الأهلية، غير عابئ بكل هذا، فهؤلاء هم المجرمون الحقيقيون والخونة الذين يجب محاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى، خيانة الدم والشريك والقيم ولبنان. من هنا فقط يبدأ البحث الحقيقي والجاد لمعرفة حقيقة من قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أما بالنسبة لموضوع العملاء الذي يتفشون تماماً كالسرطان الخبيث في جسد هذا الوطن، فينبغي أن يكون موضِعَ اهتمامٍ كبير من الحكومة اللبنانية والأجهزة، وخاصة مع هذا الكم الهائل للعملاء المكتشفين، وينبغي أن تنفّذ أحكامُ الإعدام بمن صدرت بحقهم هذه الأحكام، وتعجيل إصدارها بمن لم تصدر بحقه إلى الآن، حتى لا تصبحَ العمالة جنحة بسيطة، فيستسهل مرضى القلوب الخيانة دون خوف من عقاب صارم رادع.
وبالنسبة للوضع المعيشي فإن الحكومة مدعوة للعمل الجاد والصادق من أجل إخراج البلد من سلسلة الأزمات التي يعيشها الناس والتي تطال الجميع دون تفرقة بين مذهب أو دين أو جماعة أو حزب أو منطقة، فالغلاء يعم الجميع، وخاصة أننا مقبلون على بداية عام دراسي ينوء بحمل تكاليفه أغلب الناس، أضف إلى ذلك أزمات الماء والكهرباء والوقود والبطالة. هذا هو الهم الأساس الذي يجب أن يشغل بال المسؤولين إن كانوا حريصين على استمرار لبنان.
أخيراً، إن ما يحاكُ اليوم في دوائر الاستكبار العالمي ينبغي أن يعزِّز من منعتنا وممانعتنا ووحدتنا وتماسكنا لنكون الأمة التي قال عنها الله عز وجل أنها خير أمة أُخرجت للناس (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
عهداً لله أننا سنبقى مدافعين عن المقاومة وسلاحها الذي يرفع في وجه إسرائيل، مدافعين عن الوحدة الإسلامية والوطنية، مهما كلفنا ذلك من تضحيات.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
|