| من أراد الله به خيرا يفقهه فى الدين" قاعدة نبوية تحدد حقيقة النعم واجبة الشكر. ومرادها باختصار أن من فهم هذا الدين بحق وعرف مبادءه وكيف يدعو اليه فقد اعطاه الله خيرا كثيرا يجب عليه شكره، واصطفى الله سبحانه وتعالى من أمة الاسلام أناس اصبغ عليهم نعمه وخصهم برعايته وعلمهم من علمه وأراد بهم خيرا ففقههم فى دينهم، ولما عرف هؤلاء أنهم من أهل الله وخاصته هبوا مسرعين يبلغون دعوة ربهم بفهم وسطى معتدل يصحح مفاهيم خاطئة لطالما ألصقت بدين الاسلام وهو منها براء ولم يثن هؤلاء عن تبليغ رسالتهم ظلم الظالمين أو استهزاء المستهزئين، بل استهانوا بكل تخويف وحذر فى سبيل تبليغ هذه الدعوة المباركة، وإن أصابهم بلاء صبروا واحتسبوا، من هؤلاء القلائل المربى الجليل والداعية الموسوعى الدكتور/ فتحى يكن سليل بيت الصلاح والفكر وربيب الصحوة الاسلامية وأحد مؤسسيها.
نشأته: ولد فتحي يكن في 9 فبراير/ شباط 1933 في طرابلس بلبنان، وهو من أصل تركى، وسمى بـ"يكن" نسبة لجده من أمه، وبدأ حياته بدراسة الهندسة الكهربائية في بيروت، ثم ما لبث أن تحول إلى حقل الدراسات الإسلامية ليحصل على دكتوراه الشرف في الدراسات الإسلامية واللغة العربية، بعدها شق طريقه داخل صفوف الحركة الإسلامية.
وتزوج يكن من د.منى حداد وهي من مؤسسي العمل النسائي الإسلامي في لبنان، وأسس معها "جامعة الجنان" اللبنانية، ولهما أربع بنات وذكر و19 حفيدا وحفيدة.
شخصيات أثرت فى الفقيد: وعن أهم الشخصيات التى تأثر بها الفقيد، وعملت فيما بعد على تكوينه الفكرى والثقافى، يقول هو نفسه فى حوار أجراه معه موقع "دعوة نت" : الحقيقة أنني تأثرت بعدد من الأشخاص، على اختلاف مواقعهم، وتعدد مزاياهم، وتنوع عطاءاتهم، ففي النطاق العائلي، كان تأثري الأول بجدتي لأبي (السيدة وسيلة) وكانت امرأة صالحة رحمها الله - لا تفارق القرآن والذكر والدعاء ولا يفارقها، وهي التي تعهدتني بالتدين، وأرضعتني لِبان الدين صغيرًا، كما تأثرت بجدي لأمي (حكمت يكن) رحمه الله، وكان علمًا من أعلام الفكر وكاتبًا ومؤرخًا خلَّف وراءه ثلاثين مخطوطًا في (تاريخ الأديان) وعددًا من المؤلفات في شتى العلوم، أما والدي رحمه الله (محمد عناية) فقد أخذت عنه الكثير من خصال، ومن أهم هذه الصفات: الجدية والحزم والانضباط والانتظام التي انطبعت بها شخصيته، وأما والدتي رحمها الله (عائشة) فكانت كتلة من العاطفة والشفافية، تطيل قراءة القرآن، ولا تمل من قراءة كتاب (دلائل الخيرات).
وفي الإطار الإسلامي العام، تأثرت بعدد من السابقين في مجال العمل الإسلامي بنسب متفاوتة على رأس هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه وأرضاه، والشيخ الدكتور مصطفى السباعي، والشهيد سيد قطب، وغيرهم من علماء الفكر والدعوة.
قضايا فكرية وثقافية اشتغل بها الفقيد
1- التربية الوقائية للجيل الناشئ: شغلت قضية الشباب فكر الداعية فتحى يكن - رحمه الله – ما جعله لايكتفى بإفراد المؤلفات التى تخص هذه الفترة وإنما كان حريصا على حضور غالبية الفعاليات التى تناقش قضاياهم، وفى كل فاعلية كان يحرص على حث الشباب بالاهتمام بمعالى الأمور وان يحدد كل واحد منهم هدفا يسعى لتحقيقه ولا يضيع وقته، وان يفهموا ماذا يعنى انتماءهم لهذا الدين العظيم وما الواجبات المنوطة بهم، كما شغلت قضية التربية لجيل الشباب والناشئة فكر الفقيد رحمه الله، ففى حفل إفتتاح الدورة التأهيلية الرابعة للمشرفين والمدرسين في دورات القرآن الكريم عام 2008 م، تحدث رحمه الله عن التربية الوقائية للجيل الناشيء ودورها في صياغة جيل التغيير، وأورد فيها أن الأمة الاسلامية يجب أن تكون أمة مميّزة في عقيدتها ، ومميزة فى عبادتها وفى تشريعها، وفى أخلاقها حتى تكون بحق خير أمة اخرجت للناس. وفى نفس الاطار دعا فضيلته الشباب أن تكون أعمالهم مميزة ومتقنة، وقال فضيلته فى الكلمة ذاتها: إن الاسلام مبني على الجودة في كل جانب من جوانبه، وهو يدعو ويحض على الاتقان في كل المجالات، ويكفي دليلا على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:{ إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل أن يتقنه}، وفي الخطاب النبوي دعوة واضحة بينة إلى الجودة والإتقان والإبداع والإحسان، فمن أقواله صلى الله عليه وسلم{ إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل عملا أن يحسنه} رواه البيهقي.
2- مستقبل الصحوة الاسلامية: احتلت قضية الصحوة الاسلامية ومستقبلها مكانا كبيرا فى فكر الفقيد رحمه الله وظل يدافع عنها ويبشر بها ويطالب المؤسسات والهيئات الرسمية وغير الرسمية بضرورة العمل على فتح المجال امام شباب الصحوة الاسلامية وتشجعيهم على تبليغ دعوتهم بل ومساعدتهم فى ذلك، وكتب فضيلته بحثا حمل عنوان "مستقبل الصحوة الاسلامية" تطرق فيه لواقع الساحة الاسلامية قائلا: إن من يراقب ويتابع بدقة وصدق واقع الساحة الاسلامية اليوم، يكتشف أن الحالة الاسلامية في العالم باتت أوسع نطاقا وأقوى فاعلية من قدرة الحركة والتنظيم على استيعابها وضبطها وقيادتها وتوجيه مسارها، والمشكلة لاتكمن في الحالة الاسلامية وانما في الحركة الاسلامية. واضاف فى البحث ذاته: مشكلة الساحة الاسلامية انها لم تتطور أوتطور نفسها بالقدر الذي يمكنها من قيادة الحالة وواقع الحالة أنها في نمو عفوي جامح غير مبرمج أو موجه لغياب الحركة القادرة على ضبطها والارتقاء بها : وعيا وتربية وخطابا واداء على كل صعيد، ومشكلة الساحة أن قيادتها لاتزال قيادات شرائح لا قيادات أمة وأن مناهجها ومخططاتها وسياساتها وتفاعلها مع ما يجري حولها ودورها فيما يجري حولها، لم يرق الى مستوى الامساك بالحالة والسير بها وفق مشروع اسلامي عالمي متكامل.
3-الوسطية و قبول الآخر : تميز الفقيد فتحى يكن بوسطيته واعتداله وتسامحه مع الجميع حتى وان اختلفت توجهاتهم أو أفكارهم او حتى دياناتهم، لكن دون التنازل على شيء من مبادئ دينه العظيم، ومن القضايا المهمة التى تناولها بالشرح والتفصيل وحرص على توضيحها لشباب الصحوة كى ينعم المجتمع بالأمن والأمان، قضية قبول الآخر" والاهتمام به ما دام غير محارب لنا. وعن هذا الأمر يتحدث الدكتور/ يكن قائلا : وظيفة الاسلام الأساسية هي دعوة الناس الى الاسلام، واستيعابهم في حركته ومشروعه ومسيرته، واهتم النص القرآنى بالحرص على قبول الاخر والاهتمام به، وبلغ حرص الاسلام على الآخر، ما جاء من نهي قرآني عن مجادلة حتى غير المسلمين الا بالتي هي أحسن، فقال تعالى:{ ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن}. وتابع يكن قائلا: أما شعور البعض بصعوبة قبول الآخر، فيعود من وجهة نظري الى التربية المفرطة في الانغلاق التنظيمي ، والتي تستصعب قبول الآخر الاسلامي ، فكيف بالعلماني والنصراني وسواه ؟ بل إن هذه التربية تدفع أحيانا الى اعتبار من يترك التنظيم ، لسبب ولآخر ، عدوا ً تجب مقاطعته ومحاربته.
وأقول – والكلام مازال له- إن قبول الآخر واستيعابه يجب أن ينطلق من قاعدة حب الخير للآخرين والحرص الصادق على هدايتهم واستنقاذهم من ضلالاتهم، ومن القناعة الصادقة بشرعية هذا الأمر ووجوبه، كما أن الاسلام يدعو الى التعاون والتضامن مع الأخر كائنا من كان لدرء المفاسد وجلب المصالح ، كرفع الظلم ، وتعزيز الحرية والعدالة والمساواة ، وصون حقوق الانسان، ومن أجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لقد حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو دعيت إلى مثله في الاسلام لأجبت}.
واستطرد قائلا: من دلائل حرص الاسلام على الآخر، دعوته وحضه على الاستفادة مما عنده من خير وما لديه من حكمة، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :{ خذو الحكمة من أي وعاء خرجت }، و{الحكمة ضآلة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها} و{ اقبلوا الحق ممن جاء به من صغير أو كبير ولو كان بغيضا بعيدا ، وارددوا الباطل على من جاء به من قريب أو بعيد ولو كان حبيبا نسيبا}.
وختم يكن حديثه حول هذا الأمر قائلا : الحقيقة أن المسلمين عموما والاسلاميين خصوصا ، مدعوون لامتثال الاسلام ومبادئه وأحكامه واخلاقه في التعامل مع الآخر ، بصرف النظر عن معتقده وفكره وفلسفته ما لم يحمل عليهم السلاح ويقاتلهم، وليتدبروا بامعان قوله تعالى :{ لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين }الممتحنة 8.
يكن والخطاب السياسى الإسلامى: وفي إطار سعيه لحسم الجدل حول ازدواجية الخطاب الإسلامي بين الدعوي والسياسي يقول يكن: "الحقيقة أن الخطاب السياسي الإسلامي يحتاج إلى كبير عناية وإلى تطوير، وتقليدية الخطاب ورتابته وعاطفيته وعدم علميته مشكلة تعاني منها الساحة الإسلامية في كل مكان، ولقد كنت لفتُّ إلى ذلك في كتابي (نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر) من خلال دراسة عنوانها (فقه الخطاب الإسلامي)، عرضت فيها لواقع الخطاب ولمتطلبات تطويره؛ ليكون في مستوى العصر، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الخطاب مهما كان متطورا يلامس قضايا الناس المتغيرة والمتبدلة فإنه يجب أن لا يغفل الجوانب الثابتة في الإسلام وفي المشروع الإسلامي؛ لأنها بمثابة الأصل الذي ترتبط به كل المفردات والتفصيلات وتُبنى عليه، وبذلك يكون الخطاب الإسلامي الناجح هو الخطاب الذي يوجِّه فروع القضايا والشئون في أي زمان ومكان إلى الأصل ويحتكم إليه.
مؤلفاته: للفقيد عدة مؤلفات ساهمت في تأسيس وتأصيل فكر الحركة الإسلامية، وانتشرت سلسلة مؤلفاته الفكرية في العالمين العربي والإسلامي؛ لتكون منارة لجيل الصحوة الإسلامية، ومن أبرز مؤلفاته:
* مشكلات الدعوة والداعية * كيف ندعو إلى الإسلام؟ * نحو حركة إسلامية عالمية واحدة * قوارب النجاة في حياة الدعاة * موسوعة الحركية (جزءان) * ماذا يعني انتمائي للإسلام؟ * المسألة اللبنانية من منظور إسلامي * البيروسترويكا من منظور إسلامي * حركات ومذاهب في ميزان الإسلام * أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان(3 أجزاء) * الاستيعاب في حياة الدعوة والدعاة * نحو صحوة إسلامية في مستوى العصر * المناهج التغييرية الإسلامية خلال القرن العشرين * الإسلام فكرة وحركة وانقلاب * تحديات القرن الحادي والعشرين في ضوء فقه الفطرة * الشباب والتغيير * المتساقطون على طريق الدعوة * الإنسان بين هداية الرحمن وغواية الشيطان * أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي * القضية الفلسطينية من منظور إسلامي * قطوف شائكة من حقل التجارب الإسلامية * العولمة ومستقبل العالم الإسلامي
فتحى يكن فى عيون العلماء والمفكرين: احتل الفقيد مكانة كبيرة فى قلوب العلماء والدعاة وظهر ذلك جليا فى رد فعلهم عن خبر وفاته، فمنهم من خنقته الدموع مما جعلته يمتنع عن الحديث، ومن هؤلاء العلماء الدكتور/ أحمد العسال – رئيس الجامعة الاسلامية بباكستان سابقا- والذى حدثنا قائلا" رحمه الله كان من الإخوة القلائل الذين جاهدوا فى سبيل الله ولم يهنوا ولم يحزنوا وكانوا الاعلون فى كل مواقفهم وتوجهاتهم، ومن أميز ما فى الفقيد رحمه الله انه كان صابرا محتسبا لم يضعف أبدا، وكان يتميز بالأدب الجم والهدوء وطول الصمت وحسن البلاغ وعدم اللجاجة او الخصومة.
ويقول عنه فضيلة الدكتور/ محمد الراوى – عضو مجمع البحوث الاسلامية- كان الفقيد ذا سمعة طيبة لم يداهن او ينافق أحد ودعا الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وسط بيئة صعبة ومختلفة التوجهات ولم تلن له قناة فى تبليغ الدعوة وكان مجاهدا صابرا ، وتعرفنا عليه ونحن طلاب واستفدنا بعد ذلك من مؤلفاته العديدة التى تناولت شتى القضايا وعلى رأسها عالمية العمل الاسلامى، وكان الفقيد يتميز بالهدوء والاخلاص الشديد وهذا ما لاحظناه من بعده عن الأضواء رغم علمه وفقهه وعندما تلتقيه لاتشعر تجاهه بهيبة لبساطته ولكن إذا تكلم صمت الجميع، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
ويتحدث عنه العالم الكبير الدكتور/ حسن الشافعى – عضو مجمع اللغة العربية- " رحمه الله كان يمثل فكرا معتدلا وصورة فكرية لم أر مثله قط للداعية المعتدل الفكر المخلص لعمله، ووفاته خسارة للفكر الاسلامى وخسارة للدعوة الاسلامية، وارجو الله ان يتغمده برحمته وأن يخلفنا خيرا منه إن شاء الله وحرى بشباب الصحوة الاسلامية أن يتخذوا من مؤلفاته مرجعا فكريا لهم لما يمثله هذا الفكر من اعتدال ووسطية.
وقال الشيخ مالك الشعار الذي أمَّ المصلين في صلاة الجنازة: إن طرابلس مدينة العلم والعلماء، ومعها العالم الإسلامي بأسره تودع رجلاً من كبارها وعلمًا من أعلامها رائد الحركة الإسلامية ومؤسسها، من أفنى عمره وحياته في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل، المربي الكبير أبو بلال، المفكر الفذ المعتز بالإسلام، المنظر الخاشع العابق بالإيمان، والكاتب الثر، والمرشد إلى سبل البناء والإصلاح.
وقال الشعار: إن الإرث الثقافي الذي تركه يكن سيشكل محضنًا للأجيال الصاعدة ولكل الطامحين للعمل في مسيرة الدعوة الإسلامية، خصوصًا أنه قاد الجماعة الإسلامية في لبنان لثلاثة عقود ترك خلالها آثارًا، ما زال قياديو الجماعة يشهدون بها.
وفاته: فقد العالم الاسلامى والعربى عالما جليلا لطالما أوقف نفسه وماله ووقته لخدمة الدعوة الاسلامية وتصحيح المفاهيم المغلوطة عند الكثيرين، وقد وافته المنية ظهر السبت الموافق (13-6-2009) عن عمر ناهز السابعة والسبعين جراء إصابته بمرض عضال، وتم تشييع جنازته بمشاركة رسمية وشعبية حاشدة، وسط حالة من الحزن الشديد في أوساط مشيعيه الذي غص بهم مسجد "طينال" في المدينة، بعد صلاة العصر.
ـ المصادر والمراجع:
1. كتاب " ماذا يعنى انتمائى للاسلام؟، للدكتور/ فتحى يكن. 2. سلسلة محاضرات للداعية فتحى يكن على موقع دعوة نت الذى كان يشرف عليه الفقيد. 3. مجموعة فتاوى فتحي يكن السبت 7رجب 1423هـ / الموافق14 أيلول 20، موقع دعوة نت. 4. بحث بعنوان "مستقبل الصحوة الإسلامية"، للدكتور/ فتحى يكن. 5. بحث بعنوان "التربية الوقائية للجيل الناشيء" للدكتور فتحى يكن. 6. كتاب " الشباب والتغيير"، للداعية/ فتحى يكن. 7. موقع دعوة نت. |