| حاولت أن أرثيك أيها الداعية الراحل فاستعصى القلم عليّ، بينما تزاحمت صور حياتك الحافلة في مخيّلتي وتدافعت. وهكذا مرت حياتك المديدة في ذاكرتي، كأنها لحظات خاطفة، كما هي الحياة، تمرّ بسنواتها الطوال، فإذا هي بالنهاية خواطر في الذاكرة.
أيها الأخ الراحل الكبير. قد أحببتَ لفظَ الداعية، صفةً ملازمة لإسمك، وكان ذلك حقاً في حياتك الأولى، عندما شببتَ راغباً في فهم الإسلام وتفهيمه لمن تلتقي بهم، فينقلب بعض هؤلاء على نفسه وواقعه، ليصبحوا معاً جماعة ودعوة وإخواناً، في ظروف كانت غاية في التعقيد الفكري والفلسفي والقومي، و «بطولات» قادةٍ حكام، و «انقلابات» عسكرية شتى، وسط أكبر كارثة عرفها العرب والمسلمون في تاريخهم الحديث: ضياع فلسطين بعد أن تم ألغاء الخلافة الإسلامية في اسلامبول.
وسط هذه الأجواء المحمومة، بدأتَ أيها الراحل القائد مع ثلة من إخوانك، بتأسيس فرع منظم لجماعة «عباد الرحمن» البيروتية، في طرابلس، وهو اسم لتنظيم الإخوان المسلمين في نسخته اللبنانية. لكن سرعان ما تحولت جماعة العباد الطرابلسية، إلى مركز ثقافي إسلامي، ثم إلى الجماعة الإسلامية. وأخذت هذه بقدراتها، تشق طريقها إلى عمل دعوي في أرجاء لبنان، لتشكل بعد ذلك ما يمكن وصفه بالحركة الإسلامية الوحيدة في لبنان، لفترة من الزمن، قبل أن تزدحم الساحة الدعوية بتيارات إسلامية شتى.. ثم لتتوزع الجماعة نفسها، بإرادة منها، إلى جمعيات، في عدد من مجالات الحياة، من تربية وتعليم وخدمات اجتماعية، ضمن نهج دقيق، يأخذ بالاعتبار ربط تلك الجمعيات في إطار قيادة الجماعة الأم. ثم لتدخل «الجماعة» العمل السياسي، فكان بعد بداياته المفصل الذي أثر على بنية الجماعة.
كل ذلك وسواه، قاد المسؤول الأول في الجماعة ومؤسسها الداعية فتحي يكن رحمه الله الى اتخاذ مواقف نابعة من تصوره السياسي، انطلاقاً من قناعة بتصورات للأحداث، التزاماً بتحليله الخاص أو تحليل آخرين.. إلا أن تلك التصورات غدت عنده مسلمات في فهمه، مما دفعه إلى «ابتعاده» عن الجماعة التي أسس، مفتتحاً صيغة جديدة، طالما راودته في فترات مختلفة من مراحل حياته، هي جبهة العمل الإسلامي، وهي الجبهة التي حددت مواقف قد تختلف في كثير أو قليل مع توجه الطائفة التي تنتمي إليها، صادمةً في بعض طروحاتها التوجه العام عند غالبية المسلمين وغير المسلمين في لبنان. وقد قبل رحمه الله أن يكون عضواً في مجموعة سياسية «عامة» تضم رجالاً وشخصيات طالما انتقدها في مسار حياته الدعوية والمنهجية.
أياً كان الأمر، فالداعية فتحي يكن رحمه الله شكَّل ظاهرة، علينا أن نقبلها كما هي، فحياته كانت مراحل، تبدو لأول وهلة، منفصلة عن بعضها، إلا أنها في الواقع والحقيقة متداخلة، وهي أبعاد عميقة لشخصية واحدة، هي شخصية الداعية فتحي يكن رحمه الله رحمة واسعة.
إن من الصعب أن تجد في طرابلس خاصة، ولبنان عامة، ملتزماً بالإسلام الحنيف وداعية له، دون أن يكون قد لازم أو سمع أو قرأ للداعية الأول فتحي «أبو بلال» رحمه الله. وكانت هذه المرحلة عابقة بروحانية دفاقة، وكانت تمتاز بصلاة خاشعة، وتهجد متّصل، وحديث يومي بعد صلاة المغرب وبعد دعاء الرابطة، الذي ذكره الإمام الشهيد حسن البنا.. كانت هذه حياته الأولى.
أما حياته «الثانية» فكانت في عمل تنظيمي وتجمعي، بهدف بناء دعوة تسير على منهج ونظام، ولها أهداف مرحلية واستراتيجية، مطلوب فيها الإيثار والإخوة، والبذل والعطاء، والكفاح والجهاد، بمعانيهما المختلفة.
أما حياته «الثالثة» فكانت سياسية بامتياز، بدأت باكراً مع الانتخابات النيابية عام 1972، ثم ترعرع رحمه الله «سياسياً» مع أحداث لبنان والحرب الأهلية 1975 ـ 1976 إلى 1992، موعد الانتخابات النيابية الأولى بعد أن وضعت الحرب اللبنانية أوزارها، حيث كُتِب له أن يكون نائباً عن محافظة لبنان الشمالي.
وبعد سنة من ولايته النيابية دخل في «إطار» مرضي صعب وغامض، امتد به سحابة عامين، ليبرأ منه في السنة الأخيرة من الولاية النيابية، ولتدخل الجماعة يومئذ في انتخابات نيابية صعبة في دورات 1996 و2000 و2005، وليبرز رحمه الله في الانتخابات الأخيرة 2009، قائداً لمنظمة يُعْلِن باسمها ترشيحَ عدد من قيادييه في مناطق مختلفة في لبنان، وقد كان يُقَدِّر هو ومرشحوه والمراقبون، أن «جبهة العمل الإسلامي» لن تحصد إلا أصواتاً قليلة أو «مقبولة» ضمن ظروف انتخابية شتى ومداخلات عديدة لا حصر لها.
صفحات الرجل الداعية، رحمه الله، طويت بوفاته عصر السبت (13/6/2009), منتقلاً بها إلى رحمة ربه ومغفرته، يزينها فكر وكتابات وخطب. فقد أصدر رحمه الله، مجموعة كبيرة من دراسات حركية ومواقف إسلامية أمدّت المكتبة الإسلامية بسَلَّة كبيرة من المؤلفات الدعوية والحركية، كان لها أثر كبير في لبنان والعالمين العربي والإسلامي، فهو كاتب إسلامي، نشأ على كتبه أجيال في كثير من زوايا الأرض.
صحيح، أننا والداعية فتحي يكن رحمه الله كنا على توافق وأخوة عميقة ضاربة بجذورها الى أعماق الأرواح والقلوب والنفوس، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى أراد، ولإرادته حكمة بالغة، قد لا ندركها نحن أهل الحياة الدنيا، أن يختلف إخوة الأمس البعيد، في بعض المظان والآراء والمواقف والأساليب، ثم يتعثر «الجمع»، في المسيرة الطويلة، فيكبو وينهض، وينخفض ويرتفع، إلا أن هذا الخُلْف، يؤكد صحة المنهج الأساس، الذي انطلق منه الداعية والدعاة معه من إخوانه، وهو يقوم على الحرية المسؤولة في التقييم والتقويم، وفي الرؤية الذاتية للأمور. فشخصية الفرد مصونة، ضمن بوتقة العمل الجماعي، وهي بذلك مفيدة ومقبولة. ومن هنا تكون المسؤولية الدنيوية والأخروية.
صحيح أيضاً، أن الاختلاف في بعض الأحيان رحمة، وقد ينتج منه خير, وهو سُنَّة من سنن الله في خلقه {وَلَوْ شاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالونَ مُخْتَلِفِينَ} هود: 118، إلا أن للاختلاف آدابه، ومنها أن يحرص الواحد على أن يكون الحق على لسان أخيه، فالمهم أن يصل الدعاة والدعوة إلى «قواسم مشتركة» من الحق، وأنْ يعذر بعضهم بعضاً. وهو بشكل عام، ما طبع أسلوب كثيرٍ ممن نشأ في كنف العمل الإسلامي المسؤول. وهو أيضاً إحدى صفات الراحل رحمه الله ومجموعة من إخوانه.
إنك مهما اختلفت مع الأخ الداعية فتحي يكن رحمه الله، خاصة في الفترة الأخيرة من حياته، أو في الحياة السياسية التي احتضنها واحتضنته.. الا انك لا تملك إلا احترامه وتقديره، ولا يسعك وأنت تودعه، منتقلاً إلى عالِمِ الجَهْر والسِّر، الرَّحمن الرَّحيم، أن تطلب من الخالق الغفور أن يعفو عما كان من ذنب، وأن يؤجره على خالص عمله، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يبارك في أهله وولده، وأن يجمعنا في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
|