| عن 77 عاما، غيب الموت في لبنان، قبل أيام، الداعية الإسلامي التنويري فتحي يكن. وهو أحد أركان العمل الإسلامي الثقات في لبنان والعالمين العربي والإسلامي، وذلك منذ الخمسينيات من القرن الماضي، حيث أسس «الجماعة الإسلامية» في لبنان، وتولى أمانتها العامة مدة 32 عاماً، اضطر بعدها للاستقالة من مسؤولياته فيها، إذ انتخبته مدينته طرابلس اللبنانية، واحداً من نوابها في البرلمان اللبناني في العام 1992، وكان مثال النائب الوطني، المؤمن بوحدة بلده أرضاً، وشعباً.. وانفتاحا على جميع الأديان والمذاهب في وطنه الصغير، وخصوصا المسيحية منها، إذ بنى له صداقات شخصية ووطنية متينة بين المسيحيين، وكان مثال الإنسان المحترم من جميع اللبنانيين. وعندما وصفت الراحل الكبير بالداعية الإسلامي التنويري، فلأنه بالفعل كان تنويرياً، وعقلانياً، ووسطياً، واعتدالياً من طراز رفيع. يكفي أنه في زمن انقسام المسلمين الحاد (لا نزال بالطبع نعيش فصول هذا الانقسام)، وبدء سقوط مجتمعاتهم، وبلدانهم عموماً، في فخ الفتن الطائفية والمذهبية، كان الشيخ فتحي يكن، داعية وحدوياً إسلامياً بامتياز، لا يفرق بين مسلم سني وآخر شيعي.. وكان جهاراً نهاراً على الضد من انجرار كثير من رجال الدين المسلمين، السنة والشيعة، إلى الفتنة.. وبخاصة منهم أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم، إما عن جهل وجهالة، أو عن خدمة مشبوهة لهذا الطرف السياسي أو ذاك، أن يكونوا عناوين مذكية لهذه الفتنة، وشغّالين على تأجيج نارها، مقدمين بذلك خدمات مجانية لأعداء دينهم وأوطانهم ومجتمعاتهم، الساعين، لتقسيم بلدانهم وتفكيكها، ورسم وقائع جديدة تمس خوارطها الجغرافية وبناها الاجتماعية والحضارية في المقام الأول. يكفيه مثلاً في عزّ الانقسام الأهلي التي استفحل في لبنان، بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ما كان أقدم عليه من رفع لواء شرح ما يستهدفه هذا الحدث المأسوي، من كوارث وويلات على المسلمين في لبنان، ليس أقلها خلق عصبية سنية شيعية، واصطفاف عداوات فيما بينهما لا تبقي ولا تذر. فضلا عن أن هذه الجريمة كانت تستهدف ايضاً استنفار عداء شعبي لبناني مطلق لسورية والشعب السوري، فطفق الشيخ فتحي يكن، وعلى طريقته، يرفع الصوت عاليا، منبها إلى أن هذا الاغتيال/ المؤامرة، افتعلته جهات شريرة عالمية، تستهدف في نهاية المطاف هذين الهدفين الخطيرين المذكورين. وبيّن رحمه الله ان إسرائيل هي التي تقف وراء هذا الاغتيال، كما هي وراء كل الأزمات الكبرى التي لا تزال تعصف بلبنان وشعبه وطوائفه ومذاهبه. وتوقع أن إسرائيل ستصعد من اعتداءاتها على لبنان، وخصوصا بعد إذلال المقاومة اللبنانية لجيشها «الذي لا يقهر». فالدولة العبرية لا تحتمل هزيمة عسكرية، أو فشلا في خططها المركزية المرسومة للمنطقة.. وعليه راحت بعد تعثرها في ضرب مقاومة الشعب اللبناني في حرب 2006، تناور وتداور من خلال ما يسمونه المجتمع الدولي، والقرارات الدولية للإيقاع بهذه المقاومة وضرب ظاهرتها لبنانياً، عربيا ودوليا ووصمها بأنها إرهابية. أما لبنانياً فلم تجد إسرائيل غير سلاح الفتنة المذهبية بين المسلمين، والتي كان من المتوقع انفجارها في أي لحظة، فانبرى شيخنا الجليل يتصدى لهذا الخطر الماحق، المدمر، وذلك من خلال رص صفوف المسلمين، وتنبيههم إلى أي منزلق ينزلقون فيما لو وقع المحظور لاسمح الله؟.. فكان ان دعا مثلا الى إقامة صلاة جمعة مشتركة بين المسلمين السنة والشيعة في قلب ساحة الشهداء في بيروت. وقد تصدّرها هو كإمام، صلى وراءه علماء مسلمون من المذهبين، فضلا ًعن جمهور عريض من المصلين السنة والشيعة.. وكانت هذه الخطوة النقية، الطاهرة، بمثابة رد عملي استباقي على محاولات ذر قرون الفتنة وقبرها في مهدها، وتقديم صورة للعالم الإسلامي وللعالم أجمع، أن مسلمي لبنان موحدون في ما بينهم، وفي صلاتهم ، وقرآنهم، ونبيهم، وربهم.. وبأنهم صف واحد كالبنيان المرصوص ضد كل من تسول له نفسه اللعب بالنار وخصوصا إسرائيل. وكانت خطبة الشيخ الجليل بعد تلك الصلاة السنية الشيعية المشتركة في ذات يوم جمعة، قد تناولت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. حيث فنّد الداعية، أبعاد عملية الاغتيال، وانعكاساتها، وأهدافها الشريرة. ومما قاله في تلك الخطبة التاريخية، أن الذي صاغ الدعوة القضائية التفصيلية «ببنودها الحقوقية» الخاصة بالمحكمة الدولية، هي قاضية صهيونية أميركية، كانت كلفت بإعداد هذه المضبطة الاتهامية حتى قبل اغتيال الرئيس الحريري بشهور.. ما يؤكد بأن هناك عملية إسرائيلية مشبوهة لجر مسلمي لبنان الى التقاتل المذهبي، والى استعداء سورية، باعتبارها هي المسؤولة عن الجريمة (بلغة الإعلام العالمي وبعض الإعلام العربي أيضا).. وأن إسرائيل باتت مجرد دولة مجاورة، مسالمة، لا تعتدي على أحد، ما دام لا أحد يعتدي عليها، وبالتالي تبدأ بعد ذلك عملية العد العكسي للتطبيع مع لبنان. ومما أورده الشيخ بعد في خطبته أن إسرائيل وجورج بوش وإدارته المحـافظة، كانوا يريدون تحويل لبنان إلى عراق آخر يقتتل فيه السنة والشيعة.. وتقطف إسرائيل نتائج هذا الاقتتال بجر لبنان الى إقامة صلح مذل واستتباعي لها. كما أن هذه الفتنة إذا ما كان قيض لها أن تستعر لتنتشر، أن تؤدي أيضا إلى قيام كانتونات طائفية في لبنان، وتكون نواة لقيام كانتونات طائفية ومذهبية في سورية.. وتلتحق جميعها بالكانتونات السنية والشيعية والكردية في العراق، ويعاد بالتالي تقسيم المشرق العربي وفق سايكس بيكو جديدة.. إذ ذاك تستريح إسرائيل، وتتسيّد فوق حطام الجميع. لكن انتصار المقاومة الأسطوري على الجيش الإسرائيلي الأسطوري، قلب المعادلة جذرياً، وجعل الأعداء يعيدون حساباتهم بالكامل.. وقد قال الشيخ وقتها بالحرف الواحد «إن لبنان بمقاومته سيكون مقبرة الشرق الأوسط الجديد إن شاء الله». وللدلالة على رجاحة عقل الفقيد الكبير وأنواريته، ما كان قاله ذات مرة حول «المواجهة مع الغرب».. لصحيفة «السبيل» الأردنية وذلك في سياق مقابلة أجرتها معه الصحيفة المذكورة: «أساسا أنا ضد إطلاق مصطلح «المواجهة مع الغرب». نحن قد نكون في مواجهة مع القيادات والأنظمة، لكن الإسلام الذي نحمل، لا يمكن أن يكون لديه عنوانا عريضا، هو شن الحرب على الغرب في الإطلاق. فالإسلام رحمة للعالمين. ونحن من مصلحتنا ومصلحة العالم كله، أن نقدم الإسلام بشكله الحضاري الى الغرب، كما نقدمه الى الشرق، على اعتبار أن الإسلام عالمي، ولا يمكن أن يكون عالمياً، إذا اعتبرنا نحن، ان الغرب بات عدوا لنا، وإنما أصحاب القرار في هذا الغـرب، مع نسب مختلفة. فالغرب ليس واحداً.. وهناك فرق بين أميركا وغيرها. لذلك من واجبنا أن نفتح الأبواب على مصاريعها، وأن نتحـاور مع الغربيين، ونقدم الإسلام لهم ليعرفوه، لأن أنظمة الحكم هناك، ومن أجل بقائهـا، تقدم الإسلام وبشكل مقزّز، وتنفر منه، وتعمل على تشويهه. وكثير من السيناريوهات ترتكب (كما هو الحال في العراق) بفعل استخبارات الـC.I.A والموساد وغيرهما، وتلصق بعد ذلك بالإسلاميين». رحم الله الشيخ الداعية د. فتحي يكن، الذي كان دوماً ينطلق من العقل والحق والإيمان والعدول والوسطية.. والحق بالنسبة إليه هو القوة، وليست القوة هي الحق، لأن الحق يحمل في ذاته الكثير الكثير من الدلالات وهندسة العدالة والتسديد بها.
|