| ما الفائدة أن نعلن مشاعر الأسى , أن نفصح عن مكنون الضمير , أن نفتح حديث القلب والروح لمرشد الفكر الإسلامي الذي رعى ديمومة الخطاب وبرنامج إعادة التأسيس بعد أن تراجعت مكتبة الفكر الإسلامي اثر رحيل الكبار الذين شاركوه ثم غادروا حيث الدار التي هم وإياه لها عملوا , الفائدة أننا ونحن نُقرُّ بالتقصير الجماعي ونحن نعاني من أزمة التشرذم التي صنعها صراع التحزب أو التسييس أو الخلاف الفكري والشخصي في أوساط الدعوة أن نقول للجيل هكذا كان أولئك الأساتذة وهكذا أعطونا ولذا فنحن نشهد بما قدموه وكيف وصلنا إليكم بهم ومن خلال رحالهم مهما كنا بعدنا عنهم في مسارات الفكر والحياة.. جيل الأستاذ يكن الشامي مع سعيد حوى ومصطفى السباعي في حركة التجديد الأولى لمعهد التربية الإسلامي الفكري وتأبى الشام إلاّ أن تكون في الطليعة تغطي النقص الكبير والذي لا يزال كبيرا سوى أنّ المد العراقي وتحديدا يراع وفكر الراشد الناقد النافذ كان رافعاً لبرنامج التعثر في صناعة الفكر لتصنع تنظيرات الحياة الإسلامية , ومع غبطتنا بان الأستاذ الراشد أعلن انفكاكه النهائي من مشروع الخيبة الذي صنعته قيادة الحزب الإسلامي العراقي في تبرير كل مشاركاتهم مع الغزو الأمريكي في برنامج بريمر وما قبله في مؤتمر لندن وسعادتنا بما سطره لشرح الموقف الإسلامي الواجب من التضامن مع المقاومة المشروعة والأصيلة بفكرها وفقهها وإنسانيتها إلاّ أننا في مكتبتنا الإسلامية لا نزال نفتقد تدفقه من جديد وهو معذور في ظرفه وظرف العراق الجريح, ولكن ماذا عن البقية وكأنما جاء رحيل أستاذنا الكبير فتحي يكن ليعصف بملف الصمت القاتل المتسائل أين مكتبة الدعاة من الدعوة وأين هم من الأمة .
وهنا يَجدُر بنا ونحن نستعرض مسيرة وكفاح أستاذنا أن نذكر الحقيقة بجلاء وتوضيح مهم بان الوقت الذي عايشته الحركة الإسلامية وبناءها التربوي إنما يُقاس العطاء فيه بحسب المرحلة الزمنية التي عايشها منظرو الدعوة وكان أستاذنا رضي الله عنه في مقدمة المجددين بدءً بما سماه البعض ألف باء الدعوة - ماذا يعني انتمائي للإسلام - حتى كتابه عن - أحداث 11 أيلول رؤية إسلامية , ما يعنيه أن يكن كان فكراً متطورا وساعداً مشغولاً بهموم صناعة التجديد والأخذ بفكرة المشروع الإسلامي إلى آفاقه الواسعة المتطورة ولذا وصل إلى القناعة الضرورية لفهم أصول نقل المشروع الإسلامي من النخبة الحركية إلى الوعي المركزي والأفقي الذي يندمج مع التيارات الفكرية الإصلاحية والساحة الوطنية يحمل همومها وتحمل هي فكرته وأصالته وانطلاقته للهوية الإسلامية كشراكة أصلية وليس بالوكالة والوصاية , هذه الفكرة تحدث عنها مرارا في أكثر من مقابلة وليست القضية الموقف من البناء الحزبي بقدر ماهي ضرورات تجديد الفكر وصناعة المشروع الذي أخذت دائرة التحجيم الحزبي تأكل منه حتى أذهبت مهمته الأصلية التصاعدية التي هي في الأصل رسالة الإمام البنا لو قُرء خطابه وخاصة في المؤتمر الخامس والسادس ومساراته التجديدية الكُبرى لمعنى المشروع الإسلامي في حياة الفرد مواطناً وشريكاً أُممياً ومبشراً إنسانيا حضاريا .
التفرق القاتل
عاش أستاذنا على عهد واضح ومضى عليه هو في الأصل عقيدة للفكر الإسلامي تقوم على المفاصلة بينه وبين أصل التخلف الذي مكن الاستبداد وفرض الحروب ونهب العقل والثروة بالشراكة مع السلاطين وهو مشروع الاستبداد الدولي فلم تهن عزيمته يوما ولم يسجل عليه التاريخ لحظة هنّة وكانت القدس وقضيتها وحركتها في خطابه وبناءه , لكن الأزمة التي عصفت بالشام والمشرق العربي وهي تداخل مشروع طائفي ذو بعد توسعي واضح لكنه أيضاً ذو معركة معلنة في لبنان لا يمكن لاستأذنا أن ينفك عنه بسهولة في ظل تصاعد الهجمة الصهيونية واختلاط المفاهيم ومع ذلك ظل مؤكِداً على التزامه بمقاومة العراق ودعمها ورؤيته باتحاد مشروعها مع فلسطين قائماً .
نعم كنا نتمنى مخلصين مشفقين للحركة الإسلامية اللبنانية أن تنطلق بمشروعها المُستقل ليس لحصد نتائج انتخاب ولكن للتبشير بأفق مختلف يحمل فكر التجديد الإسلامي وحيوية المواجهة الأممية ويتعامل مع باقي الأطراف في الجهة القريبة من قاعدته السكانية أو الجهة الإقليمية الأخرى فتحط رحالهم مستقلة عن أدران هذا وذاك نعم هي تنطلق بضعف إمكانيات مع أفيال مدعومة غير أنّ التخطيط والمسير الأصيل سيحمد فيه القوم السُرى .
ولذا ومع اختلافنا مع أستاذنا الوالد فتحي يكن رحمه الله في حجم التداخل مع مشروع حزب الله إلاّ أننا نعرف تماما تأوله في هذه المسالة ولأي جهة كان ينبذ في نجمة بني إسرائيل , وعليه فان الآخرين كانوا في مسئولية اكبر من ناحيتين الأولى مواجهتهم مع الأستاذ في تجديداته الفكرية لنقل المشروع الإسلامي وخاصة في لبنان والثانية التخندق مع الطرف الآخر الذي لا يُجهل من هم شركائه , ولم يُطلب منهم أن ينسلخوا عن التوازنات الضرورية وإنما أن يجعلوا سبيلهم مستقلا وينفتحوا على إخوانهم من جبهة العمل الإسلامي وغيرها بأكبر من انفتاحهم على أبطال صبرا وشاتيلا..!!
ليس هدفي إثارة الأحزان والحسابات لكن المهم أن توقظ هذه المناسبات من رحيل الكبار العقول والقلوب وتنطلق وفاء للراحلين وقياماً بحق رسوله والمؤمنين بما هو من واجبات الدعوة في صناعة البعث الإسلامي ومشروعه التقدمي وان يخرج التوجه الإسلامي كضرورة وشرط صحة هنا وهناك من عباءة الآخرين لبناء المشروع الإسلامي اللبناني المُحتَضِن والمُحتضَن لامته وشعبه .
إنها دعوة لكل الفرقاء من أبناء الجماعة الإسلامية وكل أطياف الفكر الإسلامي السني في ثوبها الفكري الجامع لا الحزبي فقط أن يجتمعوا على مشروع يستبصر الطريق ويسترشد به لبنان العربي المخرج بنهج الوعي وهوية الصمود وتلك في حد ذاتها حين تنوى للراحل الكبير وفاءً لجهده وجهاده صلوات مباركة عليه نور الله قبره وطمئن روحه بوحدة إخوانه وجزاه عن امة الإسلام ما َتقرُّ به عينه حين لقيا رسول الله وصحبه وقد وفّى يرحمه الله بعهده وصدق وعده .
|