الحلقة الرابعة :
حاجة الصحوة الى التطور
من المعروف عقلا ونقلا وبداهة ، أن لكل مرحلة فقهها النظري والعملي، وأن لكل زمن وسائله وأساليبه، وأن لكل دور منهجيته وآليته .. وأن ذلك يفرض على الساحة الاسلامية ، وقادة الصحوة الاسلامية إجراء مراجعات دقيقة وعلمية وصادقة لتجاربهم ، وبخاصة في أعقاب المتغيرات الكبيرة والأحداث الهامة التي تقع هنا وهناك وهنالك .. في ضوء ما مر ، وما استجد ، وما هو متوقع ، بما يحقق الجدوى الإسلامية الحقيقية من العمل الاسلامي.
* التطور من سنن البقاء والعطاء :
ومما تجب ملاحظته في هذا المقام أن التطور سنة فطرية، وحاجة حياتية وفريضة شرعية، وضرورة بشرية..
فالعمل الاسلامي في مطلع القرن العشرين يجب أن يكون غيره في نهايتة أو بداية الألفية الثالثة .
كانت أهداف الساحة الاسلامية في مراحل سابقة لا تتعدى دائرة التكوين الشخصي صلاحاً وإصلاحاً.. وكانت المحاضن التربوية في مثل هذا الحجم كذلك..
كانت العملية التربوية تركّز على الجانبين الروحي والفقهي دون أن تلامس الجوانب الأخرى.. كالتربية الاجتماعية والسياسية والدعوية والحركية والإدارية والإعلامية.. وغيرها.
لم تكن الحركة الإسلامية في تلك الفترة قد أوغلت في مؤسسات المجتمع الأهلي والرسمي.. كما لم تكن ممثلة موقع نيابي أو وزاري.. كما لم تكن واحدة منها قد بلغت موقع الحكم والقرار !!
* التحديث ليس كالإحداث :
ثم إن من كمال هذا الدين أن لا تناقض البتة بين أدلته القرآنية وأدلته النبوية. وإن ظهر أحياناً ما يخالف هذه المسلّمة فإنما يعود إلى القصورالبشري عن إدراك معاني هذه الأدلة والنصوص، أو لعدم الإحاطة بكافة الأدلة والنصوص. فالقضية إذاً في ملعبنا نحن ، وحاشى أن تكون في ملعب هذا الدين القويم.
من ذلك ما يتصل بإشكالية عدم التمييز بين الإحداث في الدين وبين تحديث أمور الدين ، وبدون أدنى توقف أمام مقاصد النصوص النبوية التي تحذر من الإحداث، والأخرى التي تشجع على التجديد والتحديث.
* معنى الإحداث في الدين:
إن الإحداث والابتداع اصطلاحاً هو إدخال جديد على الدين يضاهي الدين نفسه. وهو المحرّم والمذموم، ولو بقصد الخير والتقرب من الله تعالى. وفيه جاء قوله r: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (رواه البخاري ومسلم) وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". وبجانب هذه الثوابت هنالك مساحة واسعة تتعلق بأمور الدين .. بالوسائل التي يخدم بها الدين. بالطرق التي يعرض بها الإسلام. بالأسباب التي تحقق له التمكين والمنعة في الأرض.
وهذه كلها تقع ضمن المساحة التي يتوجب فيها إعمال الفكر والرأي والإجتهاد . إنها المساحة التي يمكن أن يفهم منها قوله r: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" (رواه أبو داوود والبيهقي والحاكم).
فالتجديد في مناهج التربية دون المساس بمقاصدها وخصائصها واجب لا يجوز إغفاله.
والتجديد في ملامح الخطاب الإسلامي ومفرداته وصيغته، يتأكد وجوبه من خلال قوله: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم".
والاستفادة من المناسبات والفرص المختلفة لعرض الإسلام على الناس ودعوتهم إليه تعتبر تجديداً في أمور الدين وتطويراً لوسائل خدمته وهي واجبة.
وتسخير التقنيات المختلفة التي تزخر بها المجتمعات العالمية ةالتي تتغير وتتبدل بين عصر وآخر. كوسائل الإعلام والتعليم والسياحة والبرمجة والاستقصاء والإحصاء وكلها واجبة الاعتماد لكونها تقع ضمن دائرة الأخذ بالمستطاع من أسباب القوة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى إلى حيث قال:{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}.
في ضوء ما سبق يتضح لنا أن في الشريعة جوانب وصينة ثابتة، غير خاضعة للاجتهاد والتأويل، وأخرى مرنة متسعة لاجتهاد المجتهدين في كل زمان ومكان، وبذلك تتحقق إرادة الله في بقاء هذا الدين خالداً متجدداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وصدق رسول الله r حيث قال: "إن الله أنزل عليّ القرآن آمراً وزاجراً وسنة خالية، ومثلاً مضروباً، فيه نبؤكم، وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه"!!
* التحديات واستشراف المستقبل :
ثم هل يعقل أن يبقى باب الاجتهاد مغلقا في وقت تمر فيه الأمة بواحدة من أخطر التحديات ..إذ باتت مستهدفة في دينها وعقيدتها، كما في أوطانها وثرواتها ومقدراتها .. والتحدي يستوجب المواجهة .. ونحن اليوم لم نعد في حاجة إلى إعادة القول حول أسباب نكباتنا واجترارها، وإنما المطلوب وبأقصى سرعة ، وضع مشروع على كافة المستويات والأصعدة السياسية والثقافية والتربوية والاقتصادية والدعوية والإعلامية الفردية والجماعية الحكومية والمجتمعية.
الحلقة الخامسة :حاجة الصحوة الاسلامية الى مرجعية عالمية راشدة وفاعلة
من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، أن الاسلام هو خاتم الرسالات، والذي يمثل قمة الكمال والاكتمال للرسالات والنبوات جميعاً، مصداقاً لقوله تعالى: }اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً{.
والدعوة إلى الاسلام من هذا المنظور، ومن خلال هذا المنطق تعتبر فريضة شرعية وضرورة بشرية، ليس للمسلمين فحسب، وإنما للناس أجمعين، وصدق الله تعالى حيث يقول: }يا أيها النبي بلغ رسالات ربك{ هذا مفهوم لا يختلف عليه أحد من المسلمين خاصتهم وعامتهم.
إنما الاختلاف واقع في تصور الدعاة والعاملين للإسلام لطرائق العمل الاسلامي وأساليبه ومناهجه، بل لكثير من مبادئه وشروطه.
هذا الاختلاف أدى إلى تعدد المدارس والتيارات الاسلامية، وإلى نشوء مشكلات كثيرة بعضها كبير وخطير، ليس على الدعوة الاسلامية فحسب وإنما على الاسلام كرسالة حضارية، الهدف منها انقاذ البشرية مما تعاني منه من بؤس وشقاء ومشكلات ومعضلات على كل صعيد.
1ـ جماعة من المسلمين لا جماعة المسلمين:
ونبدأ الكلام بتناول قضية أساسية من خلالها تتوالد المشكلات، وتتكاثر الأخطاء والمعضلات، وتتعاظم الخلافات والصراعات على الساحة الاسلامية، وهي قضية اعتبار كل فريق يدعو للإسلام أنه يمثل الاسلام، ويمثل جماعة المسلمين، وليس جماعة من المسلمين، وهذا ما يؤدي في معظم الأحيان إلى الغلو والتطرف والاستكبار، ومحاولة كل فريق إلغاء الفريق الآخر، مع أن المنظور الشرعي يخالف هذا النهج تماماً، من خلال قوله تعالى: }وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا{.
2ـ قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان:
وإذا كانت الهجمة على العرب والمسلمين شرسة وضارية، وعلى مستوى عال من التخطيط والوعي والدقة، فإن ذلك يقتضي مواجهتها بعمق وتخطيط وبعد نظر، ومعرفة بالعصر، وعلى قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)، وفي ضوء فقه الأولويات وفقه التوازنات.
إن الدعوة وخطابها ومشروعها يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل الظروف المحيطة، من تركيبة المجتمع، إلى تعدديته الحضارية والثقافية، إلى انتماءاته السياسية، إلى قدراته ومشكلاته الاقتصادية، إلى علاقاته الاقليمية والدولية وإلى غير ذلك من الاعتبارت.
إن الدعوة الاسلامية حتى تتحقق أهدافها القريبة والبعيدة يجب أن يحملها مشروع عقلاني علمي، يراعي مقتضيات الواقع ومتطلبات المرحلة، ضمن بعد استراتيجي مبدئي وثوابت شرعية موثقة وقطعية الثبوت والدلالة.
إنه ليس من السياسة الصحيحة للعمل الاسلامي، تلك التي تجنح ثم تضطر إلى التراجع، وتلك التي تتطرف فتضطر إلى التساهل، وتلك التي تغالي فتضطر إلى الاعتدال، فالسياسة النبوية كانت تقوم على قاعدة ثابتة هي (أن رسول الله r ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).
إن السياسة الصحيحة للعمل الاسلامي هي التي تحقق استمرارية العمل ونوعية الأداء ولو بفاعلية وحجم أقل، انسجاماً مع التوجيه النبوي الخالد: "القليل الدائم خير من الكثير المنقطع".
3ـ ثوابت لا بد من النزول عندها:
في الاسلام قواسم مشتركة كثيرة جامعة وموحدة، وثوابت متعددة تمثل أرضية لتلاقي واجتماع الشرائح الاسلامية والمسلمين أجمعين، وليس في الاسلام ما يفرق ويمزق، وما يكفر وينفر. لماذا نقفز أحياناً فوق ما يجمعنا وصولاً إلى ما يفرقنا ويمزقنا؟ أليس في ذلك مخالفة لآيات قرآنية صريحة منها على سبيل المثال قوله تعالى: }ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم{ (آل عمران:105)، وقوله تعالى : }واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا{ (آل عمران:102) وقوله: }ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم{ (الأنفال:46).
إن في الاسلام ثوابت لم تكن في يوم من الايام موضع خلاف بين المسلمين فضلاً عن الدعاة والعلماء العاملين، منها:
· إن الدعوة الى الاسلام مبدأ ثابت لا يجوز استبداله تحت أي ظرف أو مبرر بالدعوة إلى أية فكرة أو فلسفة، أو نظرية وضعية مخالفة للشريعة الاسلامية.
· وإن العمل من أجل إقامة حكم الله في الأرض، وتحكيم شرعه على الوجه الذي فعله رسول الله r، ووفق القواعد والأصول التي اعتمدت، مبدأ ثابت لا يخضع لاجتهاد مجتهد أو تأويل متأول.
· وإن العمل لتحقيق وحدة المسلمين، على أساس الالتزام بالاسلام، والتقيد بأحكامه، والتحلي بأخلاقه وأدابه، ووفق خصائص الإسلام في التكامل والشمول والواقعية والعلمية والعالمية والتخطيط والتنظيم، يعتبر مبدأ ثابتاً لا يجوز أن يكون محل خلاف بين المسلمين.
· وإن السعي إلى بناء الفرد المسلم والجيل الاسلامي، وتأهيله للاضطلاع بحمل الرسالة ونقلها قولاً وعملاً وجهاداً، وتحقيقها في البيت والمجتمع، مبدأ ثبات لا يجوز التهاون فيه أو الاقلال من قيمته وشأنه.
· وإن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منظور الشريعة وأولويات أحكامها، مبدأ ثابت لا يجوز تعطيله أو إلغاؤه.
· وإن دعوة أولي الأمر والنصح لهم، وحضهم على الجهاد في سبيل الله، وما يلزم ذلك من إعداد على كل كستوى وصعيد، وامتلاك أسباب القوة المتكافئة مع مهمات وأعباء المواجهة مع العدو مبدأ ثابت كذلك.
· وإن اعتبار أن الأصل في الدعوة إلى الاسلام، هو سبيل الاقناع بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة، وليس سبيل الاكراه والعنف، مبدأ ثابت في الاسلام.
والاسلام ترك إلى جانب هذه الثوابت مساحات اجتهادية، تغطي كل الاحتياجات، وتتصل بأحوال وظروف وقدرات وأوضاع المسلمين لدى تطبيق الأحكام الشرعية، بما لا يشكل عبئاً على العاملين وعنتاً للمسلمين، وهو الذي كان محل اجتهاد وتباين في الرأي بين علماء الأمة، والذين اتفقوا جميعاً على أن من خالف مضمون نص لم يبلغه، أو معنى نص غير قطعي الدلالة، لأنه لم يظهر له، أو بذل جهده في استبانة مراد الشارع في مسألة، فرجح عنده فيها شيء فعمل به مخطئاً، فهو معذور.
وهذا يفرض ملاحظة ما يلي:
أ- أن تطبيق الحكم الشرعي يلزمه توفر شروطه.. فالدعوة إلى الاسلام فريضة لها شروط.. والجهاد فريضة وله شروط.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب له شروط.. وإقامة حكم الله في الأرض فريضة ولها شروط.. الخ.
ب- وأن الأصل في الأحكام الشرعية أنها تنظر إلى كل الحالات والظروف، وليس إلى حالة وظروف محددين، والمجتهد الحق هو من عرف عصره واستقامت سيرته وسريرته.
ت- وأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها.. فكل مسألة خرجت على العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل.. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه.
4ـ بين الوحدة والتعددية وحدة الساحة الاسلامية فريضة شرعية:
إن مما لا شك فيه أن الأصل في الشريعة هو وحدة المسلمين، ووحدة العمل الاسلامي، ووحدة الصف الاسلامي، وليس تعدده وتشرذمه، وإن هذه الوحدة تعتبر فريضة شرعية من عدة وجوه:
أ- الأصل وحدة المسلمين ووحدة الأمة لقوله تعالى: }إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون{ (الأنبياء:92) وقوله: }وإن هذه أمتكم أمة واحدة ونا ربكم واتقون{ (المؤمنون:52)، وقوله r: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، (رواه مسلم وأحمد).
ب- والأصل في الشريعة الحض على الوحدة والبعد عن الخلاف، لقوله تعالى: }ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم{ (آل عمران:105)، وقوله: }إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء{ (الأنعام:159)، وقوله r: "من فرق ليس منا، يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" (الطبري).
ت- والأصل التزام جماعة واحدة. وإن كان المسلمون جماعات، فلا بد لهم من إطار جامع يتم خلاله التعاون بينهم لقوله r: "ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً ما كان" (رواه مسلم)، ولحديث: "دعانا النبي فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" (رواه البخاري).
5ـ وحدة الساحة الاسلامية ضرورة بشرية:
وفضلاً عن كون وحدة الساحة الاسلامية فريضة شرعية، فإنها كذلك ضرورة بشرية للمسلمين وغير المسلمين، ذلك لأسباب كثيرة منها:
أ- إن العمل الاسلامي وأهدافه الكبيرة ومقاصده العظمى، يستلزم تضافر قوى المسلمين جميعاً في مسيرة واحدة، وضمن خطة موحدة، في حين أن تشرذم هذه القوى سيحبط العمل، ويعرقل المسيرة، ويجعل الانتاج محدوداً على كل صعيد.
ب- إن وحدة التواطؤ والتآمر على الاسلام وبخاصة وحدة المشروع الاميركي الصهيوني يفرض وحدة التصدي من المسلمين، ووحدة المجابهو والاعداد منهم، لإحباط ما يعد لهم من مؤامرات على كل صعيد.
ت- أن تفكك الصف الاسلامي من شأنه أن يجعل بأس المسلمين بينهم، ويفتح في صفوفهم وبلادهم ثغرات يتسلل منها إليهم أعداء الاسلام، وهذا ما يجري اليوم من خلال التهافت على التطبيع مع العدو الصهيوني.
وإذا ما انتقلنا إلى واقع الساحة الاسلامي لاستكشاف حالتها وسبر أغوارها لطالعتنا الكثير من المشكلات، نذكر منها ما يلي:
أولا : خلل في البنية الفكرية:
فهنالك خلل في البينة الفكرية جعل الساحة الاسلامية في كثير من الاحيان تحفل بالشعارات، ولكن من غير محتوى، وتحفل بالنظريات، ولكن من غير تطبيق، وتحلّق في سماء الأماني والأمنيات إن لم نقل الأحلام والأوهام، ولكن على غير واقعية.
وهنالك خلل في القدرة الفقهية، جعل بعض شرائح الساحة الاسلامية يضيّقون ما وسعه الله، ويحرمون ما أحلّه الله، ويسيئون إلى جمال الاسلام وجماليته، بقصد وبدون قصد.
بل جعل البعض يعيش حالة من الاهتمام البالغ بمفردات وجزئيات لا تمت إلى جوهر العقيدة في شيء، ولا إلى جوهر الشريعة في شيء، وكلها أمور من فروع الدين المختلف عليها منذ فجر الاسلام، بدل الانشغال في القضايا الكبرى، التي لم يختلف عليها سلف الأمة ولا خلفها.
أليس جريمة في حق الاسلام والمسلمين نشوء خلاف بل صراع بلغ حد الاقتتال على الساحة الاسلامية حول جواز استعمال "السبحة"، وطول اللحية والجلباب، وموضع اليدين في الصلاة وغيرها، في وقت تتهيأ فيه اسرائيل للهيمنة على الأمة، عبر مشروع النظام الشرق أوسطي، الذي يهدد وجودنا ومصيرنا، فضلاً عن شخصيتنا وتراثنا؟!
ثانيا : الخلل في البنية النفسية:
وهنالك خلل في البنية النفسية، حيث يتحكم الهوى والمزاج بالتصرف، بدل الشرع والعقل، ويتحكم الجهل بالمسار بدل العلم والمعرفة، فإذا بشرائح إسلامية وقد استحالت جزاراً يسفك الدماء، ويروع الآمنين، ويقدم صورة بشعة مقززة عن الاسلام والمسلمين، لا تمت إلى حضارة الاسلام بصلة. من هنا جاءت القاعدة النبوية تحدد شروطاً صارمة للدعاة، وأوصافأً دقيقة للعاملين، تتجلى في قوله r: "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ولكن في حال فقدان المرجعية الضابطة للأداء تصبح الساحة الاسلامية غابة يتشابك فيها المشروع مع غير المشروع، والجائز مع غير الجائز، ويضحى فيها الاسلام الخاسر الأكبر، ومن أبنائه قبل أعدائه.
غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة:
إن خلو الساحة الاسلامية من مرجعية عالمية ، جعلها ساحة مستباحة ، يقتحمها من يشاء ولو كان جاهلا بالاسلام ، أو متاجرا به ، أو عدوا له ، أو مغاليا فيه .. فإن تركت على هذا النحو اختلط فيها الصحيح والمعوج ، وأصبح الجميع سواء ..
· ففي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الاعتدال والوسطية، وفقه الحكمة ، وفقه المعرفة ، وفقه الولاء والبراء ، وفقه الإخلاص ، وفقه الدعوة ، وفقه النصح والمكاشفة والحسبة ، وفقه السياسة ، وفقه التربية ، وفقه الاخوة ، وفقه الخلاف ، وفقه الإحترام ، وفقه الجهاد ..
من كل ما تقدم أخلص إلى القول بأن غياب المرجعية الاسلامية الراشدة والمرشدة، والفاعلة، من شأنه أن يترك آثاراً سلبية كثيرة على ساحة العمل الاسلامي، مما يشوه صورة الاسلام، كما يشوه صورة المسلمين، في وقت يحتاج فيه العالم لهذا الدين القيم ليخرجه من جحيم المشكلات التي يعاني منها على كل صعيد، ومما يعرقل أو يعطل عمل الفئة الواعية القائمة على الحق، التي لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله.
إن الاسلام فرصة العالم الوحيدة للخروج من بؤرة التعاسة والشقاء إلى روضة السعادة والهناء.
من هنا كانت مسؤولية الدعاة دقيقة وكبيرة في تقديم الاسلام إلى العالم رسالة حضارة وحرية، رسالة سلام وأمان، رسالة رحمة وخير، رسالة تملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.
وأملنا بحمد الله كبير في أن المستقبل لهذا الدين الذي أصبح ملء أعين العالم وسمعه وبصره.
ولا أكتم القارئ/المستمع أنني أخال الحالة الاسلامية اليوم وكأنها صوت رباني يدوي في أرجاء المعمورة بدعوة الاسلام، وقد تجاوز كل الأطر التنظيمية والكيانات الحزبية الاسلامية وغير الاسلامية.
إنها صدى قول الله تعالى لابراهيم عليه السلام يوم ابتعثه وحيداً إلى الناس وفي وادٍ غير ذي زرع، وفي صحراء قاحلة لا حياة فيها ولا انسان }وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم{.
إن دعاة الاسلام حتى يكونوا في مستوى هذا الدور العالمي، لا بد وأن تتميز دعوتهم بجملة خصائص منها:
· الربانية: التي يجب أن تقوم عليها الدعوة ابتداءً وانتهاءً، وسيلة ونهجاً وهدفاً.. وأن يرتبط بها الدعاة قولاً وعملاً، بحيث يتحقق التجرد، وتخلص النوايا، وتصدق النفوس، ويحصل الهدي والتوفيق، ويتحقق فيهم قول الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.
· العلمية: التي يجب أن تبنى عليها الدعوة وتتكون شخصية الدعاة من خلال فقه رشيد يلحظ مبادئ الشريعة، ويعرف طبيعة العصر، ويقرأ الأحداث كل الاحداث قراءة صحيحة، والداعية الحق هو من (عرف عصره واستقامت طريقته).
وعندها يكون العمل في مستوى العصر، ويكون الخطاب في مستوى العصر، ويكون الموقف في مستوى العصر، وتكون التربية في مستوى العصر.. الخ، وإلا كان كل شيء خارج العصر، ليس سابقاً له وإنما متخلف عنه، وغير متصل به بحال من الأحوال.
· الواقعية: وهي الخصيصة التي تفرزها العلمية لأنها وليدة الادراك والمعرفة وبعد النظر، وملاحظة السُنن الكونية، فيأتي العمل ملامساً للواقع، معالجاً له بشمول وعمق وتوازن وكليّة، فلا تفريط ولا إفراط، ولا ترخص ولا غلو، ولا هلاك بسبب تنطع، ولا إجهاض بسبب استعجال وتهور، وإنما حذر وابتعاد عن الحال الذي نهى الرسول عنه حين قال: "ألا هلك المتنطعون"، وقال: "إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
· الحنيفية: التي تُكسب الدعوة سماحة الاسلام (فهي حنيفية سمحاء)، إنها ليست طائفية، وليست تعصبية، وليست فئوية وليست عرقية، وليست مذهبية، وإنما إسلامية. ولا بديل عن الحنفية إلا التعصبية التي نهى البيان النبوي عنها حيث قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية، دعوها فإنها منتنة".
إني لأعجب حين أرى بعض المسلمين يبحثون عن قواسم مشتركة تجمعهم مع غير المسلمين، ثم هم يضيقون بمن يختلف معهم مذهبياً من المسلمين، أو ليس الأقربون أولى بالمعروف في ثوابت هذا الدين؟
وشرائع الله، كما الحكمة والمصلحة، تفرض على المسلمين الاجتماع لا التفرق، والتوحد لا التمزق، بكل ما لديهم من أسباب وقوى، وعلى كافة مستوياتهم، مع تنوع وتعدد مواقعهم وانتماءاتهم المذهبية والفئوية والقطرية.
مطلوب تحقيق خطوات رائدة على طريق التقريب بين المذاهب لأنها – بحسب الأولويات – أولى من خطوة التقريب بين الطوائف، وإن كانت كل خطوات ومحاولات التقارب والتقريب ضرورية ومطلوبة.
· الجماهيرية: التي تعطى الدعوة والخطاب الدعوي بُعداً عاماً تجريدياً، يتجاوز الأطر التنظيمية والحزبية والفئوية، كما يتجاوز مصالحها الخاصة جميعاً.
وإن الخطاب القرآني المتكرر الذي يبدأ بـ: }يا أيها الناس{ يقطع بوجوب ملاحظة هذا البعد الرسالي الذي من شأنه أن يجعل الناس كل الناس معنيين بالخطاب وليس فريقاً أو شريحة معينة منهم فحسب.
· الانسانية: التي حض الاسلام عليها، ودعا اليها، وعمل على تحقيقها، والتي كانت سبباً رئيسياً في انتشار الدعوة في أنحاء المعمورة.
فالاسلام بين حقوق الانسان، ووضع القوانين لصيانتها وحفظها، قبل قرون طويلة من قيام المنظمات الدولية لتحقيق هذا الغرض، والتي لم تتمكن من تحقيقه حتى اليوم.
إنها الإنسانية التي أعلنها الرسول r في بيانه التاريخي في حجة الوداع حيث قال: "إن الله حرم عليكم دماءكم وأعراضكم وأموالكم".
إنها إنسانية الحرية والديمقراطية.. إنسانية العدالة والمساواة، إنسانية الرأفة والرحمة، إنسانية الرفق والشفقة.
إنها الإنسانية التي تجاوزت الرفق بالانسان إلى الرفق بالحيوان.
إنها الانسانية التي عناها رسول الله r: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه" وقوله: "من أعطى الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والاخرة".
إنها الانسانية التي جعلت الفاروق عمر بن الخطاب يقول: (والله لو عثرت بغلة في العراق لكان ابن الخطاب مسؤولاً عنها).
فأين هذه الانسانية مما يشوه الساحة الاسلامية اليوم من ممارسات شاذة، وأعمال وتصرفات تقدم للعالم ذرائع، لاتهام الاسلام والمسلمين بالهمجية والارهاب، وتشغل الساحة الاسلامية بفتن داخلية، وحروب استنزاف، وتصرفها عن الخطر الداهم التي يتهدد العالم العربي والاسلامي من خلال المشروع الصهيوني والنظام الشرق أوسطي؟
وهنا لا بد من التمييز بين من يمارس الارهاب في مواجهة الكيان الصهيوني كحق من حقوق الدفاع عن النفس والمصير والأرض والعرض، كالذي تمارسه الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة، والمقاومة في الجنوب اللبناني المحتل، والذي يعنيه قول الله تعالى: }وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم{ وبين من يمارس الارهاب من الداخل، ضد الوطن ومؤسساته ومواطنيه، كائناً ما كانت الأسباب والذرائع، لأن هذا المنهج ليس هو النهج القرآني في التصحيح، وليس هو النهج النبوي في التغيير، وليس له من حصاد إلا المفاسد، والقاعدة الشرعية تقول: (إن درء المفاسد يقدم على جلب المنافع)، فكيف إن لم تكن من رواءه منافع البتة؟!
إننا نعتبر أن موجة الارهاب والدموية والعنف التي تمارس داخل الأوطان، وضد الأبرياء مسلمين كانوا أم غير مسلمين، ليست من طبيعة الاسلام، بل هي حالة شاذة، دفع إليها الجهل بحقيقة الاسلام عقيدة وشريعة، كما دفع إليها الجهل بالسنن والنواميس الكونية، وبالنهج الذي سار عليه الأنبياء والمرسلون جميعاً، والذي أكده خاتمهم عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذا فضلاً من كون بعض هذه الظواهر هو نتيجة استدراج واختراق من قبل أجهزة النظام العالمي الحاقد، والمشروع الصهيوني الماكر، من أجل جر الساحة الاسلامية إلى مقاتلها، وإلى أن تقدم على الانتحار باختيارها، وهذه هي الطامة الكبرى.
إن على الساحة الاسلامية أن تدرك أن بلوغ مواقع الحكم والقرار، ليس شعاراً عبثياً، ولا يمكن أن يتحقق بشعارات وخوارق، وإنما نتيجة طبيعية لصناعة الانسان والمجتمع والوطن، ليكون في مستوى الرسالة اكتمالاً وتكاملاً اتزاناً وتوازناً، شعاراً ومحتوىً، ومظهراً وجوهراً.
مستقبل الصحوة الاسلامية/بقلم الداعية فتحي يكن رحمه الله"الحلقة الأولى"
مستقبل الصحوة الاسلامية/بقلم الداعية فتحي يكن رحمه الله"الحلقة الثانية"
مستقبل الصحوة الاسلامية/بقلم الداعية فتحي يكن رحمه الله"الحلقة الثالثة"
مستقبل الصحوة الاسلامية/بقلم الداعية فتحي يكن رحمه الله"الحلقة الرابعة والخامسة"
مستقبل الصحوة الاسلامية/بقلم الداعية فتحي يكن رحمه الله" الحلقة السادسة والأخيرة "