جُهْدُ المُقِلّ
إن المؤمن يغدو كلّ يوم في فِكاك نفسه، ليُعتقها من حرّ النار بالإكثار من الصدقة والإنفاق من طيّب المال الحلال، سواء أكان من ذوي الغِنى أم من أهل الإِملاق.
إن المرء يستظلّ بصدقته يوم القيامة، ويقي بها وجهه من العذاب، كما جاء في الحديث الشريف: «والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار» رواه أحمد.
إن الفهم السّائد بين العباد أن صنائع المعروف يختصّ بها ذوو الغنى والثّراء. فكلما ورد نصّ يدعو إلى التصدّق والإنفاق، تنصرف الأذهان إلى أصحاب رؤوس الأموال، وتتجه الأفكار إلى ذوي اليَسار، والله تعالى يقول: {ويَسألونَكَ ماذا يُنفِقونَ قُلِ العَفْوَ} البقرة - 219، أي أنفقوا ما فاض من مالِكم، وما فَضل من حاجاتكم، ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيّعوا أنفسكم. ويظنّ العامّة أن هؤلاء هم الأغنياء، ويقعون في الوهم والجهل. ولكن هذا الوهم يبدّده الهدي النبويّ، وذلك الجهل يرفعه صحيح السنّة الشريفة، وقد سُئِل النبي [: أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهد المُقِلّ، وابدأ بمَن تعول» أخرجه ابن خزيمة.
وتتأكد دعوة الرسول جميع المؤمنين إلى استباق الخيرات في قوله: «سبق درهم مائة ألف درهم! فقال رجل: كيف ذاك يا رسول الله؟ فقال: رجل له مال كثير أخذ من عُرْضه (أي من جانبه) مائة ألف درهم وتصدّق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ درهماً فتصدق به» رواه ابن خزيمة.
وبهذا الهَدي الصريح تبطل حجّة الزاعمين بأن الترغيب بالإنفاق موجَّه إلى الميسورين دون المستورين؛ وملائكةُ الله عز وجل تدعو في كل صباح للمنفقين بالخَلَف، وللمُمسكين بالتَّلَف.
كان الرسول الأكرم يوصي السيدة عائشة بالإنفاق وعدم حبس الأموال فيقول: «أنفقي ولا تُحصي فيُحصيَ الله عليك، ولا توعي فيُوعيَ الله عليك (أي عدم الإخفاء في الأوعية)، ولا تُوكي فيُوكي الله عليك (أي عدم الربط والإقفال) أَرْضخي ما استطعت (أعطي)» متفق عليه. ولكنّ الأَنفس أُحضرت الشّح، وحب التملّك لدى الإنسان ليس له حدّ، فهو يحب امتلاك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال، مهما ورمت بها أكياسه، وأُترعت بها صناديقه، وزادت عن حاجاته، ولو كان له وادٍ من ذهب لابتغى إليه ثانياً وثالثاً!
وبسبب هذا الدافع الشديد كان بفطرته ميّالاً إلى القُتور، وكان الشحّ حاضراً في نفسه، وكان مَنوعاً، مَغلولَ اليدين إلى العُنق، إلا المصلّين الموصوفين في كتاب رب العالمين. وهذا الشح قائم عند أشدّ الناس غنى، وأكثرهم تملكاً، قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ أنتُم تملكون خزائن رحمة ربّي إذاً لأمسكتُم خشيَة الإنفاق وكان الإنسان قتورا} الإسراء: 100، بل إن الظاهرة البشريّة تروي بأن أشد الناس بُخلاً وأكثرهم شحّاً هم الأغنياء والأثرياء، وهي ظاهرة مطّردة عند أغلبهم، وكلما زادت ثروة الغني ارتفاعاً ازداد صدره ضيقاً بدعوته الى النّفقة، كما يصير صدر الذي ينفذ من أقطار الفضاء ضَيِّقاً حَرَجاً كلّما يَصَّعَّدُ في السّماء!
ولكن رويداً! ربما يكون الفقير شحيحاً ممسكاً مثل الغني أو أشد بخلاً، ولكنه يتستّر برداء الفاقة فلا تخرج خَلَّته إلى ضوء الفضيحة!
وكلما دعا داعي البذل والجود، خال نفسه غير معنيّ فتكاسل وتبلّد، وأعرض عن إجابة الداعي بقلب قاس كالجَلْمد، وكان كالحُطيْئة في منع الدرهم والفلس، وكأَشعبَ في شدّة الحِرص، فلا يقوم للإنفاق في سبيل الله إلا كما يقوم الذي يتخبّطُه الشيطان من المسّ!
وإذا أصيب غير الأغنياء بداء البخل والتقتير، ضاقت الدنيا على أهليها، ونأت بركات الأرض عن ساكنيها، وخابت الآمال في قضاء الحاجات، وطاشت السّهام في اجتلاب الخيرات.
إن سبل الخير ووجوه البرّ، التي تتعلق بكفالة اليتيم ونصرة الضعيف، أو بإطعام الجائع وإسعاف المحتاج، أو إنصاف المظلوم ومداواة المكلوم، أو إغاثة الملهوف ومواساة المفجوع، أو إرشاد الضالّ وتعليم الجاهل، أو إقامة الدور العلمية والصحية والخيرية والدعوية... كل ذلك لا يتحقق إلا إذا تضافرت الهمم والعزائم، وتعاضد جُهد المُقلّين مع بذل المُكثرين، وحينذاك يُرجى لمشروعات الخير أن تبصر النور، وأن يطلع عليها الفجر الصادق، وأن تفيض بخيرها كالنهر الدافق.
فلا تجعل الغني القتور إمامك في حب المال، ولا تحسبنّ جلائل الأعمال رهينة بعظائم الرجال، فقد تحمل وضيعات النبات من عظيم الثمر ما لا تحمله باسقات الزَّرع، وشامخات الشجر!
ورب جهد لمقلّ كزرع أخرج شطْأَه، فاستوى على سُوقه، وبالنَّوْر لاح ورب كنز لمُكثر صار كهشيم تذروه الرياح!} |