بين عالِمٍ لا يَعْمل وعامِلٍ لا يعْلم!
إن الإسلام يوجب على المسلم لزوم مطالب ثلاثة لا غِناء له عنها، ولا فِكاك له منها، فلا يحسن إسلامه بغيرها مجتمعة، ولا يكمل دينه من دونها متعانقة، وهي: العلم والإيمان والعمل.
إن مشكاة النبوّة تظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبني تربيته لأصحابه على العلم والعمل. حدّث عبد الله بن عمر فقال: لقد عشتُ برهةً من دهري، وإن أحدنا يُؤْتى الإيمانَ قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم، فيتعلّم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالاً يُؤْتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة القرآن إلى خاتمته، فلا يدري ما آمرُه ولا زاجِرُه، وما ينبغي أن يقف عنده منه، وينثره نثر الدَّقَل (رديء التمر) أخرجه الطبراني. فكان الصحابة يقرؤون عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعُلمنا العلم والعمل (أخرجه أحمد).
وإن الصحابة الكرام، كما حدّثوا عن أنفسهم، صَعُب عليهم حفظ القرآن، وسهُل عليهم العمل به، وإن من بعدهم يسهُل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به!
والله تعالى يقول: {فاعلَمْ أنَّهُ لا إله إلا اللهُ، واستَغْفِرْ لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} محمد - 19، فقدّم الأمر بالعلم على الأمر بالعمل، واستغفر لذنبك. وقال الشُّرّاح: أراد أن العلم شرط في صحّة القول والعمل، فلا يُعتبران إلا به، فهو متقدّم عليهما لأنه مصحِّح للنيّة المصحِّحة للعمل.
إن عامّة الناس يَشْكون من رؤوسهم أكثر ما يشكون، وإنهم واقعون بين بليَّتين: بين عالِم لا يعمل، وبين عامِل لا يعلم! فكثير من الذين اتُّبعوا يغلب عليهم الجهل، يدّعي أحدهم المعرفة وفؤاده أَفْرغ من فؤاد أُمّ موسى، فيغشّ العامّة، ويتسلّط على عقولهم، فينقادون إليه صاغرين، فيُرْكِبهم مُتون الغباوة والخسران!
والمتبوع الجهول تلتبس عليه الأمور، فيرى الحق باطلاً والباطل حقاً، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، والزَّلل صواباً والصواب زَللاً، ويزيّن له جَهْله سوء عمله فيراه حسناً، والله تعالى يقول: {أفمَنْ زُيِّن له سوءُ عمَلهِ فرآه حسناً فإنّ الله يُضِلُّ من يشاءُ} فاطر -8.
وقد جاء في مأثور الدعاء: اللهمّ أَرِنا الحق حقاً وارزُقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه..
وقد أكّد الأئمّة الرّبانيّون على وجوب التزوّد من العلم قبل الإقبال على العبادة، ولا جرَم قبل الاجتراء على الإفتاء؛ فقال الحسن البصري: العامل على غير علم يُفسد أكثر مما يصلح... فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقصد بهؤلاء الجُهلاء عُصَب الخوارج الذين استحلّوا دماء المسلمين وأموالهم، وكفَّروا المؤمنين، رغم كونهم قُوَّاماً، صُوّاماً، قُرّاءً للقرآن! وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يَحْقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وعمله مع عملهم» أخرجه البخاري. ولكن آفتهم كانت في جهلهم، وفساد عقولهم، وقلّة فُهومهم! فهم يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، ويؤدّون الصلاة فلا تجاوز تَراقيَهم، يَمْرقون من الدين كما يمرُق السَّهم من الرَّمِيَّة! فانتهى بهم الأمر إلى أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان! إذا مرّ بهم مؤمن قتلوه، وإذا مرّ بهم مشرك أجاروه وسالموه، حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغوه مأمنه.
إن العلم إمام والعمل تابعه، وقد جاء في فضل العالم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، رواه الترمذي، وروي: «فقيه أشدّ على الشيطان من ألف عابد» رواه الترمذي.
إن زَلّة العالِم يزلّ بها العالَم، وقد قيل: زَلّة العالِم يُقرَع لها الطبل، وزَلّة الجاهل يُغطيها الجهل!
أما العالِم المتبوع الذي لا يعمل بعلمه، الذي يدعو الناس الى الخير ولا يعمل به، فهو كالسّراج الذي يضيء للناس ويحرق نفسه، وكالعود الأعوج الذي لا يستقيم ظلّه حتى يزول عِوَجه، وكالطبيب العليل الذي لا يُسمع كلامه، حتى يتمّ علاجه. فالعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر، وغَمام بلا مطر، وقوس بلا وَتر.
لو استعرضنا مراتب القيادة، ومنازل التشريع لراعنا كثرة الجالسين على منصّاتها من هاتين الفئتين! فهم بلاؤنا في القيادة والإمارة، وهم بلاؤنا في التشريع والإمامة!
إن من كانت كفاءته تؤهّله ليكون إماماً في الصلاة فلا يطلبنّ أن يكون إماماً في الإفتاء، ومن كانت كفاءته تؤهله ليكون محدّثاً أو خطيباً فلا يطمعنّ أن يكون زعيماً وقائداً. فكيف ترضون بالجهلاء المتنسّكين وبالعلماء المتهتّكين؟ وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم!. إن الذين يَصلحون ان يقودوا ويسودوا هم العارفون العاملون الأتقياء، أولئك العلماء، حق العلماء، وسائرهم كالغُثاء الذي يطفو على الماء!} |